ابن بسام

168

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

له وجوه الناس ويرتّب قعودهم بدهليزه فيطمعهم بخروجه أو يعتذر إليهم عنه بما يؤيسهم منه ، فيذهبون لسبيلهم معافين من سوء غلمانه ؛ وما كانوا يلقونه إلّا [ في ] فصيل فيه أفدام [ 1 ] الرجال لسوء أدب حجبته في حملهم على الناس بعنف الردّ . ولربّما دقّوا الأنوف ونتفوا الشّوارب غير مميّزين لطبقة الناس ، فحقدوا عليه ، إلى أشتات [ 2 ] من المساوئ نظمها ، وأنواع من المخازي جمعها . وألقي له على قلوب الناس رهبة مع أضغان [ 3 ] شبّوا بها أصبغة مساويه [ 4 ] ، والأقدار تدفع عنه ، إلى أن حاقت به فكبا لفيه . ولم يزل يرجّع [ 5 ] في مراتع الباطل ، ويلبّس على الناس أمرهم ، وصدّهم عن أميرهم ، وأخذ اللّه بسمعهم وبصرهم ، وتمثّل لهم الجسد الملقى على كرسيّ سليمان ، فحارت ألبابهم فيه ، وتاهت منه ، من وزير في قعود أمير ، وقاض في مسلاخ جندي ، وفقيه على دين يحيي بالقول ويقتل بالفعل . فسبحان من سوّاه من ألأم [ 6 ] طينة فأمهله مدّة . من رجل عهر الخلوة لزهده في النساء وكلفه بالغلمان . واتّخذ دارا آخر مدّته للخلوة بهم ، فكان لا / يخدمه فيها [ 96 ] ولا يحفّ به غير خاصّة غلمانه ، ولا يأذن لأحد من طبقات الناس بالدّخول إليه فيها . فأكثر الناس القول في هذه الدار وسمّوها « دار اللذّة » لأنّه كان يجيئها في أكثر النّهار عند فراغه من أحكامه فيقضي بها راحته . فإذا جاء الليل عاد إلى دار سكناه التي فيها أهله . ومن تمام العجب في شأنه أنّه لم يكشفه ولا نبش صداه إلّا تلك الطائفة من بطانته التي اختارهم لنفسه من أراذل الطبقات ، وذلك معهود في أمثالهم ، فالصّنيعة لا تزكو إلّا عند ذي حسب أو دين . قال ابن حيّان : فلما قطع أموال الناس جملة عن بني جهور ، وأخلى أبوابهم من جميع الطبقات ، ولم يدع لابن جهور من سلطانه غير التوقيع وحده ، وتقدّم إلى جميع أصحابه وحجّابه أن يدعى بالسلطان ، فكان إذا ركب إلى دار أميره ابن جهور سأل سائل : أين يكون السّلطان ؟ قال حجّابه : في دار الوزير ، فيجيئون بمعكوس من القول يمجّه السّمع ، دان له النّاس بذلك عنوة ، وخاطبوه بالتّمويل دعاء ومكاتبة ، إلّا قليلا تمسّكوا

--> [ 1 ] ص : أقدام . [ 2 ] ص : إلا أشتاتا . [ 3 ] ص : اضطغان . [ 4 ] قد يفهم المعنى مجازا ، بأن مساويه كانت مخضوبة فثبتها أضغانهم أي أظهرتها بقوة التضاد . [ 5 ] يرجع : يتردد ، وقد تقرأ : « يرتع » . [ 6 ] ص : ألم .